الغزي

82

نهر الذهب في تاريخ حلب

النزهة والنشاط ، وهي في دارها الحصينة التي لا تصل إليها عين أجنبي منتفعة منها بأرضها وأسطحتها التي تستعملها حين الحاجة لنشر الحبوب والثياب المغسولة . وأحسن جهات الدار عندنا هي الجهة الشمالية المفتوحة نوافذها إلى جهة الجنوب ، فإن مساكن هذه الجهة تامة المنفعة ، تستعمل في جميع فصول السنة ، بخلاف الجهة الجنوبية المفتوحة نوافذها للشمال ، فإنها غالبا لا تستعمل إلا في فصل الصيف . على أننا لا ننكر محاسن الدور التي تعمر الآن عندنا في ظاهر المدينة على النسق الجديد ، إذ تكون كل دار منها قصرا مستقلا ذا طبقات ليس لها سماوي سوى ربض « 1 » صغير يعرف بالجنينة . يحيط به حائط قصير أو مشبّك من الحديد ، كل قصر منها مشرف على جادة عريضة طويلة مستقيمة ، قد روعي في بناء كل قصر منها مشاكلة القصر الذي يليه من جهة هندسته ونقوش حجارته ، حتى كأن جميع هذه القصور مفرغة في قالب واحد . والمحلات التي بيوتها على هذا النسق ، هي مخلة العزيزية ومحلة الجميلية ، ومحلة التلل وغيرها من المحلات التي كلها خارج سور البلدة من شماليها وغربيها . اعتاد الحلبيون قديما أن يجعلوا البيت من الدار مستطيلا يبلغ طوله إلى بضعة عشر ذراعا . وعرضه إلى بضعة أذرع . وبقدر عرضه يكون ارتفاع سقفه . وفي جداره الذي يلي صحن الدار عدة نوافذ تعرف بالشبابيك ، فوق كل شباك منها نافذة أصغر منه تعرف بالطاقة . ومن محاسن مباني حلب خاناتها الشهيرة الكثيرة التي ترى كل خان منها يضاهي محلة كبيرة بسعته ، وعدد مخادعه ومرافقه ومسجده وحوضه . وهو بحصانته ومنعته يضاهي حصنا منيعا . وكل مخدع من علوه وسفله كأنه دار مستقلة قد اشتمل داخله على مخازن معدة لاحتكار البضائع ، وخارجه على حجر معدة لوضع نموذج البضائع وجلوس التّاجر وكتابته ونومه وسكنى خادمه وطبخه واستقبال زبونه وأحبابه . فهو فيه على غاية الراحة والأمن والاطمئنان على ماله ونفسه ودوابه . ومن محاسن حلب أزقتها وشوارعها فهي وإن لم تكن كلها عريضة مستوية إلا أن جميعها مفروش بالبلاط فرشا مسطحا لطيفا . فتراها في كل فصل من فصول السنة نظيفة بيضاء لا ينغض المارة فيها غبار الصيف ولا وحل الشتاء . على أنها منذ سنة 1300 بدأ

--> ( 1 ) الربض ، في الأصل : ما حول المدينة . والمراد هنا الحديقة الصغيرة الملحقة بالبناء ، أو حوله .